الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
256
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
والترديد للدّلالة على أنّ منهم من انفضّ لمجرّد سماع الطَّبل ورؤيته ، أو للدّلالة على أنّ الانفضاض إلى التّجارة ، مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموما ، كان الانفضاض إلى اللَّهو أولى بذلك . وقيل ( 1 ) : تقديره : وإذا رأوا تجارة انفضّوا إليها ، وإذا رأوا لهوا انفضّوا إليه . « وتَرَكُوكَ قائِماً » ، أي : على المنبر . « قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ » : من الثّواب « خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ » : فإنّ ذلك محقّق مخلَّد بخلاف ما تتوهّمون من نفعهما . « واللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 11 ) » : فتوكلوا عليه ، واطلبوا الرّزق منه . وفي مجمع البيان ( 2 ) : قال جابر بن عبد اللَّه : أقبل عير ونحن نصلَّى مع رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - [ الجمعة ] ( 3 ) فانفضّ النّاس إليها ، فما بقي غير اثني عشر رجلا أنا فيهم ، فنزلت الآية : « وإِذا رَأَوْا تِجارَةً » ( الآية ) . وقال الحسن وأبو مالك ( 4 ) : أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر ، فقدم دحية بن خليفة ( 5 ) بتجارة زيت من الشّام والنّبيّ - صلَّى اللَّه عليه وآله - يخطب يوم الجمعة ، فلمّا رأوه قاموا إليه بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه ، فلم يبق [ مع النبيّ - صلَّى اللَّه عليه وآله - ] ( 6 ) إلَّا رهط ، فنزلت الآية . فقال - صلَّى اللَّه عليه وآله - : والَّذي نفسي بيده ، لو تتابعتم حتّى لا يبقى أحد منكم لسال بكم الوادي نارا . وفي عوالي اللَّئالي ( 7 ) : وروى مقاتل بن سليمان ومقاتل بن قياما قالا : بينا رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية الكلبيّ من الشّام بتجارة ، وكان إذا قدم لم يبق في المدينة عاتق ( 8 ) إلَّا أتته ، وكان يقدم إذا قدم بكلّ ما يحتاج إليه النّاس من دقيق وبرّ وغيره ، ثم يضرب الطَّبل ليؤذن النّاس بقدومه فيخرج النّاس فيبتاعوا
--> 1 - أنوار التنزيل 2 / 477 . 2 - المجمع 5 / 287 . 3 - من المصدر . 4 - نفس المصدر والموضع . 5 - ن : حليفة . 6 - ليس في ق ، ش . 7 - العوالي 2 / 57 ، ح 153 . 8 - العاتق : الجارية أوّل ما أدركت ، أو الَّتي بين الإدراك والتعنيس . سميت بذلك لأنّها عتقت عن خدمة أبويها ولم يدركها زوج بعد .